“شبيه الجبنة” في البحرين.. سعر أقل يغيّر المنافسة ولا يعني بالضرورة قيمة غذائية مماثلة


لم تعد كلمة “شبيه” المطبوعة بخط صغير على بعض عبوات الجبن ومنتجات الألبان في الأسواق مجرد تفصيل في البطاقة الغذائية. خلف هذه الكلمة صناعة قائمة بذاتها، تقوم أساساً على استبدال جزء من مكونات الألبان، وفي مقدمتها دهن الحليب، بمكونات أخرى أقل تكلفة، وغالباً بزيوت نباتية، للوصول إلى منتج يحاكي الجبن في الطعم والقوام والاستخدام، ولكن بتركيبة وتكلفة مختلفتين.
وفي السوق البحرينية، تظهر هذه المنتجات بالفعل ضمن خيارات المستهلك اليومية. وتعرض متاجر تجزئة محلية أصنافاً مصنفة صراحة باعتبارها Cheese Analogue؛ ومن الأمثلة المتاحة حالياً منتج شبيه بجبنة الفيتا بوزن 250 غراماً بسعر 0.475 دينار، إضافة إلى منتجات أخرى من فئة شبيه الجبن القابل للدهن. وهذا الحضور يضع «الشبيه» في قلب المنافسة السعرية داخل سوق الأغذية، خصوصاً مع ارتفاع حساسية المستهلك تجاه الأسعار.

اقرأ أيضاً: مصر تتصدر إنتاج القمح عربياً بـ10.2 مليون طن في 2026
ماذا تعني كلمة «شبيه» علمياً؟
علمياً، يستخدم مصطلح Cheese Analogue لوصف منتج يشبه الجبن، يجري تصنيعه من خلال الاستبدال الجزئي أو الكامل لبعض مكونات الجبن التقليدية، مثل الحليب أو دهن الحليب أو بروتيناته، بمكونات أخرى قد تشمل الدهون والبروتينات النباتية، إلى جانب النشويات وأملاح الاستحلاب والمثبتات والمنكهات بحسب تركيبة المنتج. ولذلك قد تكون بعض الأنواع محتوية على مكونات ألبان مع استبدال الدهون فقط، بينما تكون أنواع أخرى نباتية بالكامل.
وبصيغة أبسط، فإن «شبيه الجبنة» ليس بالضرورة جبناً تقليدياً أرخص سعراً؛ بل منتج مختلف في تركيبته صُمم ليؤدي وظائف مشابهة للجبن من حيث المذاق أو القوام أو الذوبان والاستخدام في الطبخ.
وتوضح الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية أن تسمية «شبيه» تطبق على منتجات الألبان التي يُستبدل فيها دهن الحليب كلياً أو جزئياً بالزيوت النباتية، وأن أحد الدوافع الأساسية لهذا الاستبدال هو خفض تكلفة التصنيع، وبالتالي خفض السعر النهائي للمستهلك. كما تؤكد أن المنتجات المطابقة للوائح والمواصفات آمنة للاستهلاك.
والأهم بالنسبة إلى البحرين أن «شبيه منتجات الألبان» ليس وصفاً تسويقياً عشوائياً؛ إذ اعتمدت المملكة اللائحة الفنية الخليجية GSO 2572:2021 الخاصة بهذه المنتجات، كما يظهر تحديثها GSO 2572:2021/Amd 1:2024 ضمن القرارات المنشورة لوزارة الصناعة والتجارة.
المعادلة الاقتصادية: الزيت بدلاً من دهن الحليب
استبدال دهن الحليب بمصدر دهني نباتي أقل تكلفة يسمح للمصنع بخفض تكلفة المادة الخام، وهو ما يمكن أن ينعكس على سعر البيع النهائي. وتقدم إحدى الشركات الموردة لقطاع المطاعم في المنطقة، على سبيل المثال، منتجاً أبيض شبيهاً بالجبن يحتوي على حليب بقري منزوع الدسم وزيت النخيل، وتصفه صراحة بأنه مناسب للمطابخ التي تحتاج إلى جبن أبيض منخفض التكلفة.
وهذا يمنح «الشبيه» ميزة اقتصادية واضحة في قطاعين: التجزئة، والمطاعم وخدمات الأغذية.
بالنسبة إلى الأسرة، يوفر المنتج خياراً أقل سعراً في بعض الفئات. أما بالنسبة إلى المطعم أو المخبز أو شركة التموين التي تستهلك عشرات أو مئات الكيلوغرامات شهرياً، فإن فارقاً صغيراً في تكلفة الكيلوغرام قد يتحول إلى وفر ملموس في المصروفات التشغيلية.
ومن هنا تصبح القضية أوسع من عبوة على رف السوبرماركت؛ فكلما توسع استخدام البدائل الأقل تكلفة في البيتزا والمعجنات والسندويتشات والصلصات والمطابخ التجارية، أصبح لها تأثير في تكلفة إنتاج الوجبة وهوامش ربح المنشآت وأسعار البيع للمستهلك.

منافسة غير متكافئة إذا غابت المعرفة
لكن الميزة السعرية تخلق في المقابل سؤالاً مهماً حول شفافية المنافسة.
فالمستهلك الذي يقارن عبوتين متقاربتين في الشكل والحجم قد يختار الأرخص معتقداً أنه حصل على الجبن نفسه بسعر أفضل، بينما يكون في الواقع أمام منتجين مختلفين في التركيبة.
وهنا تحديداً تكتسب كلمة «شبيه» أهميتها الاقتصادية قبل الصحية؛ لأنها تجعل السعر قابلاً للمقارنة على أساس صحيح. فالمنتج الأقل سعراً ليس بالضرورة نتيجة كفاءة أكبر لدى الشركة المنتجة، وإنما قد يعود جزء من فارق السعر إلى استخدام مواد أولية مختلفة وأقل تكلفة.
الأمر نفسه ينطبق على قطاع المطاعم. فإذا استُخدم شبيه الجبن بدلاً من الجبن الطبيعي في منتج غذائي، فإن وضوح المعلومة للمستهلك يصبح جزءاً مهماً من عدالة السوق، خصوصاً عندما يدفع المستهلك سعراً يتوقع مقابله مكونات بعينها.
هل «شبيه الجبنة» مضر بالصحة؟
الإجابة العلمية الأكثر دقة هي: لا يمكن الحكم على جميع منتجات شبيه الجبن بأنها ضارة، كما لا يمكن اعتبارها غذائياً مطابقة للجبن الطبيعي.
فالتركيبات تختلف بصورة كبيرة بين منتج وآخر. والجهات التنظيمية التي تناولت هذه الفئة تؤكد أن المنتجات المطابقة للمواصفات آمنة للاستهلاك، وبالتالي فإن وجود كلمة «شبيه» على العبوة لا يعني أن المنتج مغشوش أو غير آمن.
لكن «آمن» لا تعني بالضرورة «مساوياً غذائياً».
وتبين المراجعات العلمية أن القيمة الغذائية لشبيه الجبن تعتمد على نوع الدهون والبروتينات والنشويات والأملاح المستخدمة وطريقة التصنيع. وبعض التركيبات قد تحتوي على مستويات مرتفعة من الدهون المشبعة، خصوصاً عند الاعتماد على زيوت مثل جوز الهند أو الدهون النباتية الصلبة وزيت النخيل لتحقيق القوام والذوبان المطلوبين. وترتبط الإفراطات في الدهون المشبعة بمخاطر صحية، ولهذا لا يصح تقييم المنتج من كلمة «نباتي» أو «شبيه» وحدها؛ بل من بطاقته الغذائية الفعلية.
وفي المقابل، يمكن تصميم أنواع من شبيه الجبن بمحتوى أقل من الدهون أو الملح أو خالية من الكوليسترول، وهو ما يجعل التعميم في الاتجاه الآخر غير دقيق أيضاً.
كما أن محتوى البروتين والكالسيوم والعناصر الدقيقة قد يختلف عن الجبن التقليدي، ما لم تكن التركيبة تحتوي عليها أو يكون المنتج مدعماً بها. ولهذا ينبغي النظر إلى البروتين والكالسيوم والصوديوم والدهون المشبعة والسعرات الحرارية عند المقارنة، وليس إلى السعر وحده.
كلمة صغيرة وراءها سوق عالمي بالمليارات
اقتصادياً، يبدو أن هذه الفئة مرشحة للتوسع. فقد قُدرت سوق شبيه الجبن عالمياً بنحو 2.2 مليار دولار في 2025، مع توقعات بوصولها إلى نحو 4.49 مليار دولار بحلول 2034، مدفوعة بعوامل تشمل السعر والطلب على المنتجات النباتية والخيارات الخالية من اللاكتوز وتوسع استخدامها في الصناعات الغذائية.
وفي البحرين، لا تتوافر بيانات منشورة تفصل حجم مبيعات أو واردات «شبيه الجبنة» وحده عن بقية منتجات الألبان، ولذلك سيكون من غير الدقيق وضع رقم لحجم السوق المحلية. لكن وجود هذه المنتجات في قنوات التجزئة واعتماد لائحة فنية خليجية خاصة بها يؤكد أنها أصبحت فئة تجارية قائمة وليست مجرد حالات محدودة.
المستهلك أمام معادلة «السعر مقابل المكونات»
في النهاية، لا تبدو القضية معركة بين «الجبنة» و«شبيه الجبنة». فلكل منتج سوقه وسعره واستخداماته، والمنتج المطابق للمواصفات ليس بالضرورة مشكلة صحية لمجرد أنه «شبيه».
القضية الحقيقية هي حق المستهلك في معرفة ما يشتريه، وحق السوق في منافسة تقوم على وضوح المنتج والسعر والجودة.
فعندما يكون الفارق بين المنتجين ناتجاً عن استبدال دهن الحليب بزيت نباتي أقل تكلفة، يصبح من الطبيعي أن يعرف المستهلك لماذا يدفع سعراً أقل. وعندما يختار المنتج الأرخص بعد قراءة المكونات والقيمة الغذائية، يكون قد اتخذ قراراً اقتصادياً واعياً.
أما أن يشتري «شبيه الجبنة» معتقداً أنه جبن تقليدي، فهنا لا تعود المسألة مجرد فرق في المذاق؛ بل تصبح قضية شفافية غذائية واقتصادية في آن واحد.



