
أكملت طائرة الركاب الصينية «C919» أول رحلة تجارية دولية منتظمة لها، في محطة جديدة ضمن مساعي الصين لبناء صناعة طيران قادرة على المنافسة في سوق الطائرات ذات الممر الواحد، التي تهيمن عليها منذ عقود شركتا «بوينغ» و«إيرباص».
وأقلعت الطائرة، التي تنتجها شركة الطائرات التجارية الصينية «كوماك» وتشغلها «إير تشاينا»، من بكين متجهة إلى أولان باتور عاصمة منغوليا، لتنقل برنامج «C919» من مرحلة التشغيل التجاري المحلي إلى بداية الحضور على الخطوط الدولية.
وتكتسب الرحلة أهمية تتجاوز مسارها بين الصين ومنغوليا، إذ تمثل اختبارًا عمليًا لطموحات بكين في تحويل «C919» إلى منافس محتمل لطائرتي «بوينغ 737» و«إيرباص A320»، وهما من أكثر عائلات الطائرات التجارية انتشارًا عالميًا.
اقرأ أيضاً: البحرين وماليزيا تبحثان توظيف «الفورمولا 1» لتعزيز الحركة السياحية
من السوق المحلية إلى الرحلات الدولية
بدأت «C919» أولى رحلاتها التجارية في مايو 2023 بين شنغهاي وبكين، قبل أن تتوسع تدريجيًا في شبكة الخطوط الداخلية الصينية والرحلات بين البر الرئيسي وهونغ كونغ.
وبحسب «شينخوا»، من المقرر تشغيل رحلة ذهاب وإياب يوميًا بواسطة «إير تشاينا» على خط بكين–أولان باتور، ما يحول الظهور الدولي للطائرة من رحلة رمزية منفردة إلى تشغيل منتظم خارج السوق المحلية.
وكانت «كوماك» قد عملت خلال السنوات الماضية على زيادة الحضور الدولي للطائرة من خلال عرضها في معارض طيران كبرى، من بينها معرض سنغافورة للطيران في 2024 و2026، ومعرض دبي للطيران في 2025.
منافس صيني لـ«737» و«A320»
صُممت «C919» للعمل في سوق الطائرات ضيقة البدن أو ذات الممر الواحد، وهي السوق التي تستحوذ على جانب كبير من الطلب العالمي على الطائرات التجارية، خصوصًا في الرحلات القصيرة والمتوسطة.
وتراهن الصين على ضخامة سوقها المحلية لمنح الطائرة قاعدة تشغيلية تسمح بتوسيع الإنتاج وبناء سجل تشغيلي قبل الانتقال بصورة أوسع إلى الأسواق الخارجية.
لكن الوصول إلى منافسة عالمية كاملة لا يزال يتطلب تجاوز عقبات رئيسية، وفي مقدمتها الحصول على شهادات واعتمادات الجهات التنظيمية الكبرى خارج الصين، إذ لم تحصل الطائرة حتى الآن على اعتماد السلطات المختصة في الولايات المتحدة أو أوروبا.
«صُنعت في الصين».. لكن بسلسلة توريد دولية
ورغم تقديم «C919» باعتبارها أبرز مشروع صيني في صناعة الطائرات التجارية الكبيرة، فإن سلسلة توريدها لا تزال دولية، إذ تعتمد الطائرة على مكونات وأنظمة مستوردة من دول أخرى، من بينها الولايات المتحدة.
ويعكس ذلك أحد التحديات الاستراتيجية أمام بكين؛ فالمشروع يستهدف تقليل الاعتماد على صناعة الطيران الأجنبية، لكن تحقيق استقلال أكبر في سلسلة التوريد يحتاج إلى تطوير منظومة محلية واسعة للمحركات والأنظمة والمكونات المتقدمة.
معركة تتجاوز بيع الطائرات
وتتجاوز أهمية «C919» القيمة التجارية للطائرة نفسها، إذ تمثل جزءًا من استراتيجية الصين للانتقال إلى الصناعات المتقدمة ذات القيمة المضافة العالية وتقليل اعتمادها على الموردين الغربيين في القطاعات التكنولوجية الحساسة.
كما أن نجاح الطائرة خارجيًا قد يفتح المجال أمام نموذج أكثر تعددية في صناعة الطيران التجاري العالمية، التي تتركز حاليًا بصورة كبيرة بين «إيرباص» و«بوينغ».
وسبق لـ«كوماك» أن بدأت بناء حضور خارجي من خلال طائرتها الأصغر «C909»، التي تتسع لنحو 78 إلى 97 راكبًا، لكن «C919» تمثل اختبارًا أكبر بكثير لقدرة الشركة الصينية على المنافسة في سوق الطائرات التجارية الرئيسية.
وتشكل أول رحلة دولية منتظمة للطائرة بداية مرحلة جديدة أكثر من كونها إعلانًا عن منافس عالمي مكتمل؛ فالتحدي المقبل لن يقتصر على قدرة الصين على تصنيع المزيد من الطائرات، وإنما سيمتد إلى الاعتمادات الدولية، وشبكات الصيانة وقطع الغيار، وكفاءة التشغيل، وثقة شركات الطيران، والقدرة على تقديم منظومة دعم عالمية تنافس ما بنته «بوينغ» و«إيرباص» على مدى عقود.