
مع صدور التقرير الاقتصادي الفصلي لمملكة البحرين للربع الأول من عام 2026، لم أتوقف كثيرًا أمام رقم النمو أو التراجع بقدر ما توقفت أمام سؤال أظنه أكثر أهمية؛ كيف يتصرف اقتصاد بلد حين يتعرض، فجأة، لاعتداءات تهدد حركة الطيران والملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد، وتضع الناس والمؤسسات أمام ظرف لم يكن اعتياديًّا بأي معنى؟
ربما لهذا السبب قرأت أرقام التقرير بصورة مختلفة؛ باعتبارها حكاية وطن واجه ظرفًا استثنائيًّا، واستطاع أن يبقي مؤسساته تعمل وأسواقه تتحرك، وأن يبدأ سريعًا في امتصاص تداعيات الاعتداءات الغاشمة، حيث يضع التقرير هذه الحقيقة في سياقها بوضوح، فالاقتصاد كان يسجل أداءً قويًّا في يناير وفبراير، قبل أن تأتي اعتداءات مارس وتفرض واقعًا مختلفًا على النشاط الاقتصادي.
وما يمنحني قدرًا أكبر من الثقة، وأنا أقرأ التقرير، أن الاقتصاد البحريني لم يخرج من الأزمة بلا أثر، لكنه أثبت أنه قادر على تحمّل الأثر وتجاوزه، وهذه في رأيي هي المسألة الأهم. ورغم تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 3.8 % تحت وطأة الانخفاض الحاد في النشاط النفطي والقيود على الملاحة عبر مضيق هرمز، إلا أن خلف هذا الرقم كانت هناك صورة أخرى أكثر دلالة؛ الاقتصاد غير النفطي واصل النمو بنسبة 2.2 %، وشكّل أكثر من 90 % من الناتج، فيما حققت 9 من أصل 13 نشاطًا غير نفطي نموًّا إيجابيًّا.
اقرأ أيضاً: من يروي قصة الاقتصاد البحريني؟
هنا تحديدًا لا أرى مجرد أرقام اقتصادية، بل أرى نتيجة سنوات من بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، وأرى قدرة دولة ومجتمع وقطاع خاص على أن يواصلوا الحركة في أصعب الظروف، فالقوة الحقيقية لأي اقتصاد لا تظهر عندما تكون الطريق ممهدة، إنما عندما تضيق الخيارات ويظل قادرًا على الوقوف والتحرك إلى الأمام.
ولا شك أن القيمة الحقيقية لهذا التقرير لا تكمن في الأرقام التي وثقت ما جرى للاقتصاد البحريني خلال ثلاثة أشهر استثنائية، بقدر ما تكمن فيما تقوله لنا هذه الأرقام عن الذي صنع الفارق عند وقوع الأزمة.
فالتنويع الاقتصادي، والاستثمار في القطاعات غير النفطية، وبناء المؤسسات، وتعزيز قدرة القطاع الخاص، لم تعد عناوين خطط واستراتيجيات للمستقبل، بل تحولت في لحظة الاختبار إلى عناصر قوة حقيقية خففت وطأة الصدمة وساعدت الاقتصاد على الصمود.
وما أراه اليوم، بعد قراءة هذه الأرقام، أن تأثر الاقتصاد بالأزمة كان أمرًا طبيعيًّا في ظل ظرف استثنائي بهذا الحجم، لكن البحرين أثبتت مرة أخرى أن لديها اقتصادًا قادرًا على امتصاص الصدمات، ودولة تعرف كيف تدير الأزمات، ومجتمعًا يعرف كيف يحافظ على تماسكه في أصعب الظروف. وفي اعتقادي أن هذه هي الرسالة الأهم بين كل أرقام التقرير؛ البحرين تأثرت، لكنها لم تتوقف.. وهذه وحدها حكاية تستحق أن تقرأ.
• عن جريدة البلاد البحرينية



