
لم تعد التنمية الزراعية في العصر الحديث تقاس بحجم الإنتاج فحسب، بل بقدرتها على خلق قيمة اقتصادية، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز تنافسية الأسواق، وخلق فرص عمل مستدامة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، جاءت المبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي، التي أطلقت عام 2010 باهتمام ودعم من صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة ملك مملكة البحرين رئيسة المجلس الاستشاري للمبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي، لتتبنى رؤية تقوم على تحقيق نماء اقتصادي واجتماعي وبيئي مستدام، عبر بناء قطاع زراعي حديث يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الأمن الغذائي.
ومنذ انطلاقها، لم تقتصر المبادرة على تنفيذ برامج تنموية، بل تبنت نهجًا اقتصاديًا متكاملًا يقوم على الاستثمار في الإنسان والمشروع والسوق، من خلال مبادرات نوعية أسهمت في رفع كفاءة القطاع الزراعي، وتحويله إلى قطاع أكثر قدرة على المنافسة والاستدامة والإسهام في التنمية الاقتصادية.
وقد كانت أولى هذه المبادرات إطلاق جائزة الملك حمد للتنمية الزراعية في عام 2015، والتي ركزت على تطوير ثلاث فئات هي؛ الشركات الزراعية البحرينية، والمزارعين البحرينيين، والدراسات والبحوث الزراعية. ولم تكن الجائزة مجرد تكريم للتميز، بل أصبحت أداة اقتصادية لتحفيز الاستثمار في المشاريع الزراعية، إذ مكنت الجوائز المالية الفائزين من التوسع في مشاريعهم، وتطوير البنية الإنتاجية، وتبني التقنيات الحديثة، ورفع جودة المنتجات، الأمر الذي عزز القدرة التنافسية للمشاريع الزراعية وشجع على الابتكار والاستثمار في هذا القطاع الحيوي. كما ساهمت البحوث الزراعية في وضع حلول علمية للتحديات التي تواجه القطاع الزراعي وضمان إستدامته والذي بدوره يزيد من مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي.
وفي عام 2021، أطلقت المبادرة الوطنية حملة “دمت خضراء” التي قدمت نموذجًا متوازنًا يجمع بين الاستدامة البيئية والعائد الاقتصادي. فقد أسهمت الحملة في تشجيع المقاولين البحرينيين على تنفيذ مشاريع التشجير، مع الاعتماد على إنتاج المشاتل الزراعية المحلية، مما أدى إلى تنشيط الطلب على النباتات والمنتجات الزراعية الوطنية، وتحريك الدورة الاقتصادية للمشاتل، ودعم المؤسسات الوطنية العاملة في هذا المجال، بما انعكس على زيادة فرص النمو والاستدامة الاقتصادية.
كما يمثل معرض البحرين الدولي للحدائق أحد أبرز المحركات الاقتصادية التي تبنتها المبادرة لدعم المشاريع الزراعية البحرينية، إذ يوفر منصة احترافية لعرض المنتجات الوطنية أمام المستثمرين والشركات المحلية والإقليمية والدولية. وقد أسهم المعرض في فتح قنوات تسويقية جديدة، وإبرام شراكات تجارية، وتعزيز فرص الاستثمار، وزيادة انتشار المنتجات البحرينية، بما أسهم في نمو المشاريع الزراعية وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
اقرأ أيضاً: أبوغزاله يشيد بتغطية “المنصة الاقتصادية”: جهد مهني مميز يبرز مسيرة امتدت عقوداً
وإدراكًا لأهمية التسويق في استدامة النشاط الاقتصادي، عملت المبادرة الوطنية بالتعاون مع وزارة شئون البلديات والزراعة وبنك البحرين للتنمية على توسيع المنافذ التسويقية للمنتجات الزراعية البحرينية من خلال سوق المزارعين الموسمي في البديع، والسوق الدائم في هورة عالي، إضافة إلى تسهيل التعامل بين المزارعين والشركات الخاصة لبيع المنتجات المحلية في كبرى منافذ البيع بالتجزئة، ومنها لولو هايبر، ورامز، والأسرة، والجزيرة وغيرها. وقد ساهمت هذه الجهود في تعزيز وصول المنتج البحريني إلى المستهلك، وزيادة حجم المبيعات، وتحسين دخل المزارعين، ورفع تنافسية المنتج المحلي في السوق، بما يدعم استدامة المشاريع الزراعية ويعزز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
ولأن التنمية الاقتصادية تبدأ ببناء الإنسان، أولت المبادرة الوطنية اهتمامًا كبيرًا بتنمية الكفاءات الوطنية عبر تنظيم الورش والمحاضرات الزراعية المتخصصة، والاستعانة بخبراء بحرينيين لنقل المعرفة وأفضل الممارسات الحديثة إلى المزارعين وأصحاب المشاريع. وقد انعكس ذلك على رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين جودة المنتجات، وخفض التكاليف التشغيلية، وتعزيز الإنتاجية، وهي جميعها عوامل تسهم في زيادة الجدوى الاقتصادية للمشروعات الزراعية.
لقد أثبتت المبادرة الوطنية لتنمية القطاع الزراعي، على مدى أكثر من خمسة عشر عامًا، أن الاستثمار في الزراعة هو استثمار في الاقتصاد الوطني. فمن خلال ربط التنمية الزراعية بالابتكار، والتسويق، والتمكين، والاستثمار، استطاعت أن تحول المبادرات إلى قصص نجاح اقتصادية، وأن تخلق بيئة محفزة لنمو الشركات والمزارعين، وتعزيز مساهمة القطاع الزراعي في التنمية المستدامة. واليوم، تواصل المبادرة ترسيخ مكانتها بوصفها نموذجًا وطنيًا رائدًا يؤكد أن الزراعة ليست قطاعًا إنتاجيًا فحسب، بل رافد اقتصادي قادر على دعم التنويع الاقتصادي، وتعزيز الأمن الغذائي، وصناعة مستقبل أكثر استدامة لمملكة البحرين.