الاستثمار في الإنسان.. كيف تبني البحرين اقتصاد المستقبل؟
برامج تدريب تتجاوز 2.6 مليار دينار.. تأهيل 50 ألف بحريني في الذكاء الاصطناعي.. وشراكة متنامية بين القطاعين العام والخاص

خاص – المنصة الاقتصادية / كتب موسى عساف
لم يعد نجاح الاقتصادات الحديثة يقاس بحجم الموارد الطبيعية أو الاستثمارات الرأسمالية فقط، بل بقدرتها على إعداد الكفاءات واستقطاب المواهب وتطوير المهارات. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، أصبح رأس المال البشري أحد أهم عناصر التنافسية، مع توسع الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وظهور وظائف جديدة تتطلب مهارات مختلفة.
وفي هذا السياق، جعلت مملكة البحرين الاستثمار في الإنسان أحد المرتكزات الأساسية لرؤية البحرين الاقتصادية 2030، انطلاقاً من قناعة بأن بناء اقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة يبدأ بإعداد كوادر وطنية قادرة على قيادة القطاعات الاقتصادية الجديدة ومواكبة التحولات في سوق العمل.
هذا التوجه لا يقتصر على المبادرات الحكومية، بل تحول إلى نهج تتبناه المؤسسات الاقتصادية والمالية والتعليمية، حيث توسعت برامج التدريب، وارتفعت الاستثمارات في تطوير القيادات، وأصبح القطاع الخاص شريكاً رئيسياً في إعداد الكفاءات الوطنية، في تحول يعكس إدراكاً بأن الاستثمار في الإنسان يمثل استثماراً مباشراً في الإنتاجية والابتكار وجاذبية الاقتصاد.
ويكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل توقعات المنتدى الاقتصادي العالمي بأن نحو 39% من المهارات الحالية ستتغير بحلول عام 2030، بينما سيحتاج 59% من العاملين إلى تطوير أو إعادة تأهيل مهاراتهم لمواكبة التحولات التي يقودها الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
ولهذا، لم يعد السؤال المطروح أمام الاقتصادات هو عدد الوظائف التي يمكن توفيرها، بل مدى جاهزية القوى العاملة لشغل وظائف المستقبل، وهو ما تعمل البحرين على معالجته من خلال ربط التعليم والتدريب باحتياجات السوق، وتحويل الاستثمار في الإنسان إلى أحد أهم محركات النمو الاقتصادي.

رأس المال البشري.. من التدريب إلى الاستثمار
شهد مفهوم الاستثمار تحولاً جذرياً خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد الشركات تبحث فقط عن الأسواق أو الحوافز الاستثمارية، وإنما عن الاقتصادات التي تمتلك كفاءات بشرية مؤهلة وقادرة على التعامل مع التقنيات الحديثة.
وبالنسبة للبحرين، فإن هذا التوجه يمثل امتداداً لرؤية البحرين الاقتصادية 2030، التي وضعت المواطن في صميم عملية التنمية، وجعلت تطوير المهارات ورفع الإنتاجية أحد أهم مرتكزات الاقتصاد الوطني.
ويبرز صندوق العمل “تمكين” باعتباره أحد أهم أدوات هذا التحول، حيث قدم منذ تأسيسه في عام 2006 دعماً تجاوز 2.6 مليار دينار بحريني، استفاد منه أكثر من 300 ألف بحريني وما يزيد على 60 ألف مؤسسة في مختلف القطاعات الاقتصادية.
ومع إطلاق استراتيجية تمكين 2026-2030، انتقل الصندوق إلى مرحلة جديدة تركز على الاستثمار في المهارات ذات القيمة المضافة، وتوجيه الدعم نحو قطاعات مثل التكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، بما يعزز جاهزية البحرينيين لوظائف المستقبل.
ولم يعد النجاح يقاس بعدد الدورات التدريبية، بل بقدرتها على رفع إنتاجية العامل البحريني، وتحسين فرص التوظيف، وتعزيز تنافسية المؤسسات، وهو ما يعكس تحولاً في فلسفة الاستثمار الحكومي من دعم التدريب إلى الاستثمار في رأس المال البشري.
وفي الوقت نفسه، توسع القطاع الخاص في الاستثمار في الكفاءات الوطنية، حيث أطلقت بنفت النسخة الخامسة من برنامج “مسار“، ودشنت بورصة البحرين برنامج “المواهب الواعدة“، بينما واصل بيت التمويل الكويتي – البحرين تطوير القيادات النسائية، وأطلقت عقارات السيف النسخة الثانية من برنامج “تأسيس“، كما عزز BIBF برامجه المحلية والدولية، ووسعت فاتيل البحرين شراكاتها التدريبية مع مؤسسات الضيافة.
وتعكس هذه المبادرات تحولاً واضحاً في نظرة المؤسسات إلى التدريب، فلم يعد نشاطاً مرتبطاً بالمسؤولية الاجتماعية، بل استثماراً طويل الأجل في رفع الإنتاجية والابتكار وتعزيز القدرة التنافسية.
وظائف المستقبل.. كيف تستعد البحرين لسوق عمل جديد؟

تشير المؤشرات العالمية إلى أن سوق العمل يشهد أكبر تحول منذ الثورة الصناعية، مدفوعاً بالذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والاقتصاد الرقمي، وهو ما يفرض على الحكومات والقطاع الخاص إعادة النظر في مهارات القوى العاملة.
ووفق تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، من المتوقع أن تنشأ 170 مليون وظيفة جديدة حول العالم بحلول عام 2030، مقابل اختفاء 92 مليون وظيفة، ليبلغ صافي الوظائف الجديدة نحو 78 مليون وظيفة.
ولا يرتبط هذا التحول بتراجع فرص العمل، بل بتغير طبيعتها، إذ سيزداد الطلب على الوظائف المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والحوسبة السحابية، والتكنولوجيا المالية، والاستدامة، فيما ستتراجع الوظائف التي تعتمد على الأعمال الروتينية القابلة للأتمتة.
وتتوافق هذه التحولات مع القطاعات التي تركز عليها البحرين ضمن خططها الاقتصادية، وفي مقدمتها الخدمات المالية، والاقتصاد الرقمي، والتكنولوجيا المالية، والصناعة المتقدمة، والخدمات اللوجستية، وهو ما يفسر التوسع في برامج التدريب والتأهيل خلال السنوات الأخيرة.
الذكاء الاصطناعي.. فرصة أكثر منه تحدياً
ورغم المخاوف المرتبطة بتأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، فإن غالبية الدراسات الدولية تشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في اختفاء الوظائف، وإنما في سرعة تغير المهارات المطلوبة.
وفي هذا الإطار، أعلنت تمكين عن برنامج وطني يستهدف تدريب 50 ألف بحريني على مهارات الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، بالتعاون مع شركات تقنية عالمية، في واحدة من أكبر المبادرات الوطنية لتأهيل الكفاءات الرقمية في المنطقة.
ولا يقتصر البرنامج على المتخصصين في تقنية المعلومات، بل يشمل الموظفين ورواد الأعمال والقيادات التنفيذية، بهدف دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات الاقتصادية، ورفع الإنتاجية وتعزيز تنافسية المؤسسات.
وبدأت نتائج هذا التحول تظهر بالفعل في عدد من المؤسسات البحرينية، حيث وظفت شركات ومؤسسات وطنية حلول الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات وتحسين الكفاءة التشغيلية، وفي مقدمتها بتلكو التي أطلقت المساعد الرقمي “بسمة” لإدارة آلاف المحادثات اليومية مع العملاء، إلى جانب توسع المؤسسات المالية في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات وإدارة المخاطر وتحسين تجربة العملاء.

المهارات التي سيبحث عنها أصحاب العمل
وبالتوازي مع هذا التحول، لم تعد الشركات تبحث عن المؤهلات الأكاديمية وحدها، بل عن المهارات التي تمكن الموظف من التكيف مع بيئة العمل المتغيرة.
ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 39% من المهارات الحالية ستتغير بحلول عام 2030، بينما سيحتاج 59% من العاملين إلى تطوير أو إعادة تأهيل مهاراتهم.
ومن أبرز المهارات المتوقع أن تقود سوق العمل خلال السنوات المقبلة:
- التفكير التحليلي واتخاذ القرار.
- الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
- الأمن السيبراني.
- الحوسبة السحابية.
- إدارة المشاريع الرقمية.
- الابتكار والإبداع.
- القيادة والعمل الجماعي.
- التعلم المستمر والقدرة على التكيف.
ويفسر ذلك توجه العديد من المؤسسات البحرينية إلى إطلاق برامج تدريبية تجمع بين الجانب الأكاديمي والتطبيق العملي، بما يضمن إعداد كوادر قادرة على مواكبة متطلبات الاقتصاد الحديث.

الاقتصاد يصنع قادة المستقبل
تكشف قراءة المشهد الاقتصادي في البحرين أن الاستثمار في رأس المال البشري لم يعد يقتصر على برامج التدريب أو التوظيف، بل أصبح جزءاً من استراتيجية اقتصادية متكاملة تستهدف رفع الإنتاجية، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات النوعية.
وتشير المبادرات الحكومية، وفي مقدمتها برامج تمكين، إلى جانب استثمارات القطاع الخاص في تطوير الكفاءات، إلى أن المملكة تتجه نحو بناء منظومة تربط بين التعليم والتدريب واحتياجات السوق، بما يسهم في تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم والوظائف المستقبلية.
وفي ظل اقتصاد عالمي تتغير فيه المهارات بوتيرة غير مسبوقة، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد على عدد الوظائف التي يمكن خلقها، بل على قدرة الإنسان على اكتساب مهارات جديدة والاستمرار في التعلم.
ومن هذا المنطلق، تتحول تنمية رأس المال البشري في البحرين إلى أحد أهم الاستثمارات الاستراتيجية، ليس فقط لإعداد موظفين أكثر كفاءة، وإنما لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية ومرونة، قادر على المنافسة في القطاعات التي ستقود النمو خلال العقد المقبل.



