الذكاء الاصطناعي.. ثورة اقتصادية أم فقاعة تنتظر الانفجار؟

موسى عساف

قبل سنوات قليلة، كان الذكاء الاصطناعي يبدو لكثيرين حديثًا عن مستقبل بعيد، أما اليوم، فلم يعد السؤال ما إذا كان سيغير الاقتصاد العالمي، بل إلى أي مدى، ومن سيربح من هذه الثورة، ومن قد يدفع ثمن المبالغة في الرهان عليها؟
الأرقام تكشف حجم التحول، فقد أشار المدير العام لبنك التسويات الدولية، بابلو هيرنانديز دي كوس، إلى تقديرات صناعية تتوقع ارتفاع الاستثمارات العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من نحو 500 مليار دولار حاليًا إلى ما بين 3 و4 تريليونات دولار بحلول 2030، كما يقدر البنك أن أكبر خمس شركات تقنية ستنفق أكثر من تريليون دولار خلال عامي 2025 و2026 على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وهذه الأموال لن تذهب إلى البرمجيات والنماذج الذكية وحدها؛ فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى رقائق ومعالجات وخوادم ومراكز بيانات وشبكات وأنظمة تبريد، وقبل ذلك كله إلى الكهرباء، لذلك قد تكون المفارقة أن أكثر الثورات رقمية في التاريخ تقود إلى واحدة من أكبر موجات الاستثمار في الطاقة والصناعة والبنية التحتية.
وهنا تكمن الفرصة الاقتصادية الحقيقية، فالرابح لن يكون فقط من يطور أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي، بل أيضًا من ينتج الرقائق، ويبني مراكز البيانات، ويوفر الكهرباء، ويقدم الخدمات السحابية والأمن السيبراني.

اقرأ أيضاً: السياحة العلاجية في البحرين.. نحو منظومة موحدة
لكن مع تضخم الإنفاق، يبرز سؤال أكثر صعوبة، هل ستولد هذه الاستثمارات أرباحًا تكفي لتبرير مئات المليارات التي تضخ فيها؟
فالخوف ليس من أن يكون الذكاء الاصطناعي وهمًا، فالتكنولوجيا حقيقية واستخداماتها تتوسع بسرعة، وإنما من أن تكون التقييمات والأسعار وحجم بعض الاستثمارات أكبر من العوائد الاقتصادية التي يمكن تحقيقها.
وقد رأينا شيئًا مشابهًا مع الإنترنت؛ فقد غير العالم فعلًا، لكن ذلك لم يمنع انفجار فقاعة “الدوت كوم”، أي أن التكنولوجيا يمكن أن تكون ثورية، وفي الوقت نفسه تكون بعض الاستثمارات المرتبطة بها فقاعة.
ويزداد القلق مع اتجاه جزء متنامي من الإنفاق نحو الدين والائتمان الخاص وهياكل التمويل المعقدة، إلى جانب ما يعرف بـ”التمويل الدائري”، عندما تستثمر شركات توفر الرقائق أو القدرات الحاسوبية في شركات ذكاء اصطناعي، ثم تستخدم الأخيرة الأموال لشراء خدمات ومنتجات من الشركات المستثمرة نفسها، وهنا يصبح من الصعب معرفة أين ينتهي الطلب الحقيقي وأين يبدأ الطلب الذي تغذيه دورة التمويل ذاتها.
وهناك أيضًا سباق لا يريد أحد أن يتخلف عنه، فالشركات تخشى أن يسبقها المنافسون، والدول تخشى أن تفقد موقعها في الاقتصاد الجديد، لذلك قد يتحول السؤال من كم نحتاج فعلًا؟ إلى كم ينفق الآخرون؟، وهنا تبدأ المبالغة.
لكن هذا لا يعني الابتعاد عن الذكاء الاصطناعي؛ فالفرصة ضخمة، وخصوصًا لدول الخليج التي تمتلك رأس المال والطاقة والبنية التحتية والقدرة على تنفيذ مشروعات كبرى.
غير أن النجاح لا ينبغي أن يقاس بعدد مراكز البيانات أو بحجم المليارات التي تنفق، وإنما بالقيمة التي تبقى داخل الاقتصاد؛ كم وظيفة ستخلق؟ وكم شركة محلية ستنشأ؟ وكم صناعة ستتطور؟ وكم معرفة وتقنية ستنتقل إلى الداخل؟
ويبقى السؤال؛ هل نحن أمام ثورة اقتصادية أم فقاعة تنتظر الانفجار؟
ربما يكون الاثنان معًا؛ ثورة اقتصادية حقيقية تحيط بها فقاعة محتملة في بعض الاستثمارات والتقييمات.
وإذا انفجرت هذه الفقاعة يومًا، فلن يعني ذلك نهاية الذكاء الاصطناعي، كما أن انهيار شركات الإنترنت قبل ربع قرن لم ينهي الإنترنت، الذي انهار آنذاك كان الاعتقاد بأن كل استثمار يحمل اسم الإنترنت سيحقق ثروة.
وهذا هو الدرس الأهم؛ لا نخاف من الذكاء الاصطناعي فنفوت فرصة تاريخية، ولا ننخدع ببريقه فنعتقد أن كل ما يحمل اسمه استثمار رابح.
فالفرق بين الثورة والفقاعة ليس دائمًا في التكنولوجيا نفسها، بل في السعر الذي ندفعه مقابل الرهان عليها.

Exit mobile version