آراء اقتصاديةريادة أعمال

تطبيقات التوصيل.. الفخ الناعم لرواد الأعمال

موسى عساف

تحدث أحد أصحاب المطاعم في الولايات المتحدة عن دفعه نحو 188 ألف دولار سنويًا كرسوم لتطبيقات التوصيل قبل أن يقرر الانسحاب منها بالكامل لأنها “تلتهم” القدرة على الاستمرار. وفي بريطانيا اشتكت مطاعم صغيرة من أن بعض التطبيقات كانت تحصل على عمولات تصل إلى 35%، بينما تحظى السلاسل الكبرى بمعاملة أفضل ورسوم أقل.

أما هنا فقصص أصحاب المطاعم تكاد تتشابه ” نبيع أكثر… ونربح أقل”، وهو ما دفع الشاب جاسم إلى قبول الخسارة وإغلاق مطعمه الصغير، والذي خطط له لسنوات، إلى جانب سنوات أخرى من التوفير وما اقترضه من الأهل والبنوك ليبدأ حلمه، وها هو اليوم يعمل في وظيفة بعيدة تمامًا عن حلمه الذي كان يعتقد أنه سيكون مشروع عمره.

يشكو أصحاب المطاعم من أن جزءاً كبيرا من الإيرادات يذهب إلى عمولات التوصيل، ورسوم التسويق داخل التطبيق، ورسوم الظهور، وخصومات إجبارية، ورسوم “خدمة” لا يعرف من يخدم من بالضبط، وفي بعض الحالات، تصل الاستقطاعات إلى ما يقارب 30% أو حتى 40% من قيمة الطلب الواحد.

المفارقة هنا أن شركات التوصيل بدأت أصلًا كمنقذ للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، فلا يمكننا إنكار أنها غيرت السوق، وسهلت الوصول إلى العملاء، ومنحت المطاعم الصغيرة فرصة للظهور بجانب العلامات التجارية الكبرى، حيث إن كثير من الشباب دخلوا عالم الأعمال بفضل هذه التطبيقات، لأنها اختصرت عليهم تكلفة إنشاء أسطول توصيل أو بناء قاعدة عملاء من الصفر.

لكن ما حدث لاحقًا يشبه الفخ الناعم.

في البداية، تمنحك التطبيقات الإغراء الكامل؛ انتشار واسع، عروض، خصومات، تسويق، وتدفق طلبات سريع، ثم شيئًا فشيئًا تتحول من شريك إلى “مالك غير معلن” لجزء ضخم من مشروعك، تصبح مجبرًا على الدخول في العروض حتى لا يختفي مطعمك من الواجهة، حيث تدفع مقابل الظهور، وتدفع مقابل الخصومات، وتدفع عمولة على كل طلب، ثم تجد نفسك مضطرًا لرفع الأسعار لتعويض النزيف.

وهنا تصبح فكرة ريادة الأعمال نفسها هي الضحية، حيث لا يعود صاحب المطعم يفكر بالتوسع أو النجاح، بل كيف ينجو آخر الشهر.

شاب استدان ليؤسس مطعمًا صغيرًا، أو سيدة بدأت مشروع طبخ منزلي، أو عائلة فتحت مطعمًا متواضعًا كمصدر رزق؛ هؤلاء لا يملكون رفاهية تحمل استقطاعات ضخمة من كل طلب، لأن المطاعم أصلًا تعمل بهوامش ربح محدودة، وأحيانًا لا تتجاوز أرباحها الحقيقية 5% إلى 10%. وعندما تأتي شركة توصيل وتأخذ 25% أو 30% من قيمة الطلب، فإن  معادلة البقاء تصبح شبه مستحيلة.

الأسوأ من ذلك أن كثيرًا من هذه الرسوم لا تكون واضحة منذ البداية، حيث هناك رسوم تسويق، ورسوم حملات ترويجية، ورسوم تأخير، ورسوم اشتراك، ورسوم “دعم لوجستي”، حتى يتحول كشف الحساب إلى متاهة محاسبية يصعب فهمها، وبعض أصحاب المشاريع يكتشفون متأخرين أنهم يعملون طوال الشهر لصالح التطبيق أكثر مما يعملون لأنفسهم.

المؤلم أن المستهلك نفسه أصبح جزءًا من هذه الحلقة دون أن يشعر، فهو يظن أنه يدفع مقابل “الراحة”، لكنه في النهاية يساهم، ولو بشكل غير مباشر، في تكريس نموذج اقتصادي يضغط على المشاريع الصغيرة لصالح الشركات العملاقة، وحتى على وسائل التواصل، بدأ كثير من الناس يلاحظون أن الأسعار داخل التطبيقات أعلى من أسعار المطاعم نفسها، إضافة إلى رسوم الخدمة والتوصيل.

لست هنا أطالب بإلغاء شركات التوصيل، فقط أصبحت قطاعًا أساسيًا في الحياة الحديثة، لكن السؤال هنا؛ أين التوازن؟ وكيف يمكن لمشروع صغير أن يستمر إذا كان يعمل لمصلحة وسيط يلتهم ثلث الإيرادات؟
وأين الجهات التنظيمية من ضبط العمولات والرسوم المخفية وحماية المشاريع الناشئة؟

نجاح أي اقتصاد لا يقاس بعدد التطبيقات، بل بعدد المشاريع الصغيرة التي استطاعت أن تعيش وتنمو دون أن تسحقها عجلة الاحتكار الرقمي.

أخطر ما قد يحدث لأي مجتمع، ليس فشل مشروع صغير؛ بل أن يفقد الشباب إيمانهم أصلًا بأن الأحلام الصغيرة يمكن أن تنجح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى