
الجميع يتحدثون الآن عن مبادئ حوكمة الشركات وضرورة تطبيقها. ولا بد من القول بأن من أهم مبادئ حوكمة الشركات، حقوق حملة الأسهم، المعاملة العادلة لحملة الأسهم، حماية دور أصحاب المصالح، الإفصاح والشفافية الكاملة، تحقيق عدالة في المسؤوليات حتى على مستوى مجلس الإدارة.
وهناك قضايا عديدة تحيط بمبادئ حوكمة الشركات، من ضمنها تلك القضايا ذات العلاقة المباشرة بالضوابط الداخلية ودور المدققين الداخليين، وما يشمل كذلك استقلال مدققي الحسابات الخارجيين مع جودة ما يتم تقديمه في مراجعة وتدقيق الحسابات. وهناك أيضاً القضايا المرتبطة بالرقابة وإدارة المخاطر، والإشراف على إعداد البيانات المالية للشركة، مع استعراض الترتيبات الخاصة بالامتيازات المالية للرئيس التنفيذي وغيره من كبار المسؤولين. وهذا يشمل الموارد المتاحة للمديرين في أداء واجباتهم، وفي نفس الوقت معرفة الطريقة التي يتم بها التعيين لشغل المناصب، خاصة في المجلس والإدارة التنفيذية.
وعلى الرغم من المحاولات الجادة لتعريف وترسيخ مبادئ “حوكمة الشركات”، مع الاهتمام المكثف لشرح أهداف وكنه “حوكمة الشركات”، إلا أنه من الملاحظ أن هناك بعض المحاولات من بعض الجهات لا تزال غامضة، وهذا بسبب عدم فهم أو إساءة فهم “حوكمة الشركات”. وهذا قد يظهر لأن هذه الجهات أخذت فهم “حوكمة الشركات” فقط وحصرته في المفهوم الضيق لإدارة الشركات.
اقرأ أيضاً: البنوك الأردنية على مفترق طرق رقمي: من البنية التحتية إلى الذكاء التنافسي
وفي حقيقة الأمر، فإن الوضع ليس كذلك، وهو أوسع من الإدارة العادية للشركة. نقول هذا لأن الحوكمة يجب أن تتضمن إدارة عادلة وفعالة وشفافة، وتسعى في تحقيق ذلك لتلبية خطوات معينة ومحددة وأهداف مكتوبة بصورة واضحة.
ويجب أن تتجاوز مفاهيمنا لحوكمة الشركات الأحكام المذكورة في القانون، وأن نقرأ ما خلف السطور للوصول إلى المعاني التي يهدف لها المشرع. فالقراءة السطحية للقانون أو الأنظمة لا توصلنا للهدف السامي من إصدار القانون والأنظمة، فمثلاً مدى الكمية والنوعية ووتيرة الكشف عن البيانات المالية والإدارية، ودرجة ومدى ممارسة المجلس لها، كل هذه النقاط تمت الإشارة لها، ولكن يجب أن نغوص فيها للوصول إلى الحقيقة والهدف.
وهنا الأمر لا يقف عند القانون والأنظمة فقط، بل هناك بعد أخلاقي والتزام أخلاقي مطلوب أيضاً. والالتزام القانوني والأخلاقي لإدارة الشركة وفق “مبادئ حوكمة الشركات” يجب أن يكون في تطور باستمرار نتيجة لتفاعل عوامل عديدة، مع الأخذ في الاعتبار أن الأدوار التي تقوم بها هذه العوامل هي أكثر تقدماً ضمن العناصر المسؤولة في الشركات.
ومما سبق يتبين ضرورة هذا التصور وتطبيقه لتطوير قواعد الممارسات الجيدة للوصول إلى حسن إدارة الشركة. إن آليات وضوابط حوكمة الشركات تهدف إلى التقليل من أوجه القصور التي تنشأ عن المخاطر الأخلاقية وسوء التطبيق.
فعلى سبيل المثال، لرصد سلوك المديرين، يقوم المدقق الخارجي، بصفته طرفاً مستقلاً، بمراقبة دقة المعلومات التي تقدمها الإدارة للمستثمرين. وهنا ينبغي أن ينظم نظام المراقبة المثالي كل من الدوافع والقدرات التي لدى الإدارة.
وبالنسبة لوضع الضوابط الداخلية لحوكمة الشركات، فإن هذا يتطلب اتخاذ إجراءات تصحيحية لتحقيق الأهداف التنظيمية ورصد ما يتم، ومن الأمثلة على ذلك الرصد من جانب مجلس الإدارة.
ومجلس الإدارة لديه سلطة في التوظيف والفصل وتعويض الإدارة العليا، والضمانات لرأس المال المستثمر وغيره. ولذا فإن اجتماعات المجلس يجب أن تسمح بدراسة المشاكل المحتملة وتجنب غير المقبول في إدارة الشركة.
وعلاوة على ذلك، فإن قدرة المجلس على متابعة المديرين التنفيذيين للشركة تعطيه القدرة على الوصول إلى المعلومات وامتلاك المعرفة في عملية صنع القرار، وبالتالي تقييم الإدارة العليا على أساس جودة القرارات التي تؤدي إلى نتائج الأداء المالي.
ويمكن القول هنا إن علينا أن ننظر إلى أبعد من سلطة المديرين التنفيذيين ونظرتهم للمعايير المالية المجردة، بل إلى التصور المتكامل في هذا الأمر.
وأيضاً النظر إلى إجراءات الرقابة الداخلية ومراجعي الحسابات الداخلية، شاملة إجراءات المراقبة الداخلية والسياسات التي تنفذها لجنة مراجعة الحسابات والإدارة وغيرهم من الموظفين، لتقديم ضمانات معقولة لتحقيق الأهداف المتعلقة بالتقارير المالية الموثوقة، والكفاءة التشغيلية، والامتثال للقوانين واللوائح.
وبالنسبة لضوابط الحوكمة الخارجية، فإنها يجب أن تشمل أصحاب المصلحة الخارجيين ودورهم في ممارسة الرقابة على التنظيم الإداري في الشركة. ومن الأمثلة على ذلك المنافسة، والديون، والطلب على المعلومات، وتقييم الأداء، وسوق العمل، والاستحواذ، وغيرها من الممارسات ذات الصلة لتحقيق مفهوم حوكمة الشركات بالطريقة المثلى والصحيحة.
ومن هذا يتبين لنا ضرورة النظر “خارج الصندوق” عند اطلاعنا على مبادئ حوكمة الشركات، وذلك بهدف التعمق للوصول إلى الهدف المنشود من الحوكمة حتى ترتقي المؤسسية عندنا وتقود للنجاح.
* المؤسس والمدير التنفيذي شركة الدكتور عبد القادر ورسمه للاستشارات



