قيادات صنعت التأثير.. من الصناعة والتمويل إلى العقار والطيران
خمسة بحرينيين بين أبرز 100 قائد أعمال في المنطقة

خاص – المنصة الاقتصادية / كتب موسى عساف
لم يكن إدراج خمسة بحرينيين ضمن قائمة CNBC عربية لأبرز 100 قائد أعمال في المنطقة لعام 2026 مجرد خبر اقتصادي، ولا احتفاءً بأسماء نجحت في الوصول إلى المناصب التنفيذية العليا، بل جاء ليعكس تحولاً أعمق تشهده الكفاءات البحرينية في العقد الأخير؛ تحولاً انتقلت فيه من إدارة مؤسسات محلية إلى قيادة شركات ذات تأثير إقليمي وعالمي، تدير مليارات الدولارات من الأصول والاستثمارات، وتؤثر في أسواق المال والصناعة والطيران والعقار، وتسهم بصورة مباشرة في رسم ملامح الاقتصاد الخليجي.
القائمة تعتمد على منهجية تركز على الأداء المالي، والتأثير الاقتصادي، والابتكار، والحوكمة، والمرونة والاستدامة، بما يجعل الاختيار قائماً على الأثر الفعلي وليس على الحضور الإعلامي.
وللمرة الأولى، تبدو الأسماء البحرينية الخمسة وكأنها تمثل خريطة الاقتصاد الحديث أكثر من كونها تمثل شركاتها فقط؛ فكل شخصية تقود قطاعاً مختلفاً، وكل قطاع يعكس أحد محاور التحول الاقتصادي في المنطقة.
في الصناعة يقود علي البقالي واحدة من أكبر شركات إنتاج الألمنيوم في العالم، وفي الخدمات المالية يقود هشام الريس واحدة من أكبر المجموعات الاستثمارية الخليجية، أما في الطيران يقف عادل العلي خلف التجربة التي غيرت مفهوم الطيران الاقتصادي في الشرق الأوسط، وفي العقارات يقود أحمد يوسف واحدة من أهم شركات التطوير العقاري البحرينية، فيما يمثل سطام سليمان القصيبي نموذجاً للقيادة المصرفية التي جمعت بين النمو المالي والتحول الرقمي في القطاع المصرفي الإسلامي.
هذه الأسماء لا يجمعها القطاع، ولا حتى طبيعة الشركات التي تديرها، وإنما يجمعها نمط جديد من القيادة التنفيذية، يقوم على بناء المؤسسات، وإدارة التحول، وتحقيق النمو طويل الأجل، أكثر من الاعتماد على الإنجازات قصيرة المدى.
من الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد الكفاءات
قبل سنوات، كان الحديث عن نجاح الاقتصاد الخليجي يرتبط غالباً بحجم الإنفاق الحكومي، أو أسعار النفط، أو المشاريع العملاقة التي تقودها الدول، أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة.
أصبحت الأسواق تنظر إلى نوعية القيادات التنفيذية باعتبارها أحد أهم مؤشرات قوة الاقتصاد وقدرته على المنافسة.
فالشركات الكبرى لم تعد تقيم فقط بحجم أصولها، وإنما أيضاً بقدرتها على الابتكار، وسرعة اتخاذ القرار، وكفاءة الإدارة، والالتزام بالحوكمة، واستدامة الأرباح، ولهذا السبب، لم تعد قوائم مثل قائمة CNBC عربية تقيس الشهرة، وإنما تقيس القدرة على صناعة القيمة الاقتصادية الحقيقية.
ومن هنا تبرز أهمية الحضور البحريني؛ فقد استطاعت البحرين أن تقدم قيادات تتولى إدارة شركات تمتد أعمالها إلى عشرات الدول، وتتعامل مع أسواق عالمية، وتنافس مؤسسات دولية في قطاعات شديدة التعقيد.

المدرسة البحرينية في الإدارة
من يتأمل مسيرة القادة الخمسة يكتشف أن بينهم قاسماً مشتركاً لا يبدو واضحاً للوهلة الأولى؛ ليسوا من جيل واحد، وليسوا من قطاع واحد، وليسوا من مؤسسة واحدة، لكنهم جميعاً يمثلون ما يمكن تسميته “المدرسة البحرينية في القيادة التنفيذية“، وهي مدرسة تقوم على أربعة مرتكزات رئيسية.
أولها، بناء الخبرة من داخل المؤسسة؛ فعدد من هؤلاء القادة لم يصلوا إلى مناصبهم عبر انتقالات متكررة بين الشركات، وإنما أمضوا سنوات طويلة داخل المؤسسات التي يقودونها اليوم، ما منحهم معرفة تفصيلية بثقافة العمل، وسلسلة القيمة، وآليات اتخاذ القرار.
وثانيها، الجمع بين المعرفة الفنية والإدارية؛ فمعظمهم يحملون خلفيات أكاديمية متنوعة، بين الهندسة، والمحاسبة، وإدارة الأعمال، وهو ما انعكس على أسلوب إدارتهم للمؤسسات.
أما المرتكز الثالث، فهو إدارة التحول، وليس إدارة التشغيل فقط؛ إذ لم تقتصر أدوارهم على المحافظة على أداء الشركات، بل قادوا عمليات توسع، واستحواذ، وتحول رقمي، وتطوير لنماذج الأعمال، وفتح أسواق جديدة.
أما المرتكز الرابع، فهو الرهان على الاستدامة؛ فلم يعد النجاح يقاس فقط بالأرباح السنوية، وإنما بقدرة الشركة على المحافظة على تنافسيتها خلال الدورات الاقتصادية المختلفة، وهو أحد المعايير التي اعتمدتها CNBC عربية في قائمتها.
ما وراء الأرقام
من السهل النظر إلى هذا الإنجاز باعتباره خمسة أسماء في قائمة تضم مئة قائد، لكن القراءة الاقتصادية تختلف؛ فهؤلاء لا يمثلون أنفسهم فقط، كل واحد منهم يقود مؤسسة توظف آلاف العاملين، وتدير استثمارات بمليارات الدولارات، وتؤثر في أسواق متعددة.
وعندما تنجح هذه المؤسسات، فإنها لا تحقق أرباحاً لمساهميها فحسب، بل ترفع أيضاً مستوى الثقة في البيئة الاقتصادية التي خرجت منها قياداتها، ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الحضور البحريني لا تكمن في عدد الأسماء، وإنما في نوعية المؤسسات التي يقودونها.
فـ”ألبا” تعد من أكبر مصاهر الألمنيوم في العالم خارج الصين، و”جي إف إتش” أصبحت من أبرز المجموعات الاستثمارية الخليجية متعددة الأنشطة، و”العربية للطيران” أسست نموذج الطيران الاقتصادي في المنطقة وأعادت تعريفه، و”عقارات السيف” تمثل إحدى أبرز قصص التطوير العقاري التجاري في البحرين، بينما شكل “خليجي بنك” خلال السنوات الأخيرة نموذجاً في الدمج بين الصيرفة الإسلامية والتحول الرقمي.

علي البقالي… قائد صنع التحول من قلب المصنع
“القيادة الحقيقية لا تبدأ من المكتب التنفيذي، بل من فهم تفاصيل العمل على أرض الواقع.”
هناك نوعان من الرؤساء التنفيذيين؛ الأول يأتي إلى المؤسسة بعد سنوات قضاها متنقلاً بين الشركات، حاملاً معه خبرات متنوعة وأفكاراً جديدة، أما الثاني، فينشأ داخل المؤسسة نفسها، ويعرف تفاصيلها كما يعرف المهندس مخطط البناء، فيكبر معها وتكبر معه.
وعلي البقالي ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية؛ فحين تولى قيادة شركة ألمنيوم البحرين (ألبا)، لم يكن وجهاً جديداً على المؤسسة، بل كان أحد أبنائها الذين أمضوا أكثر من ستة وعشرين عاماً داخل الشركة، متنقلاً بين إدارات المشتريات والمالية وسلسلة التوريد قبل أن يصل إلى أعلى منصب تنفيذي فيها.
وهذه المسيرة ليست مجرد تفاصيل في السيرة الذاتية، بل تكشف عن فلسفة مختلفة في القيادة؛ فالرجل يعرف دورة الإنتاج، وآليات التمويل، وسلاسل الإمداد، والعلاقات مع الموردين، وتحديات الأسواق العالمية، قبل أن يجلس على كرسي الرئيس التنفيذي.
ولهذا، لم يكن انتقاله إلى قيادة “ألبا” انتقالاً إدارياً، بقدر ما كان امتداداً طبيعياً لمسيرة طويلة داخل واحدة من أكبر المؤسسات الصناعية في المنطقة.
من إدارة العمليات إلى صناعة الرؤية
شهد قطاع الألمنيوم خلال السنوات الأخيرة تحديات غير مسبوقة، فأسعار الطاقة، وتقلبات الأسواق، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، والتوجه المتسارع نحو خفض الانبعاثات الكربونية، فرضت على شركات الألمنيوم إعادة النظر في نماذج أعمالها، وفي هذا التوقيت تحديداً، لم يعد المطلوب من الرئيس التنفيذي أن يحافظ على الإنتاج فقط، وإنما أن يعيد تعريف مستقبل الشركة.
وهنا برزت بصمة البقالي؛ فقد قاد الشركة في مرحلة لم يكن فيها السؤال: كم سننتج؟، بل كيف سنبقى من الأكثر تنافسية في العالم؟، ولهذا، ركزت استراتيجيته على ثلاثة محاور متوازية؛ تعزيز الكفاءة التشغيلية، الاستثمار في الاستدامة، تأمين النمو طويل الأجل.
ثلاثة مليارات دولار.. قرار غير مستقبل الشركة
ربما يبقى الإنجاز الأكثر تأثيراً في مسيرة البقالي مشاركته المحورية في تأمين التمويل اللازم لمشروع خط الصهر السادس، أحد أكبر المشاريع الصناعية في تاريخ البحرين، بقيمة بلغت ثلاثة مليارات دولار.
ولم يكن المشروع مجرد توسعة إنتاجية، بل مثل نقطة تحول استراتيجية؛ فإضافة الخط السادس رفعت الطاقة الإنتاجية للشركة إلى مستويات جعلتها ضمن أكبر مصاهر الألمنيوم في العالم خارج الصين، ورسخت مكانة البحرين لاعباً رئيسياً في صناعة تعتمد عليها قطاعات السيارات والطيران والإنشاءات والطاقة.
وفي عالم الصناعات الثقيلة، لا يعني تأمين التمويل مجرد الحصول على قرض، إنه رسالة ثقة من المؤسسات المالية العالمية في جدوى المشروع، وكفاءة الإدارة، وقدرتها على تحقيق العوائد.
عندما تصبح الاستدامة مشروعاً اقتصادياً
لفترة طويلة، كان ينظر إلى الاستدامة بوصفها التزاماً أخلاقياً أو بيئياً، لكن البقالي تعامل معها باعتبارها فرصة اقتصادية، ولهذا، لم تقتصر مبادرات “ألبا” على تحسين الأداء البيئي، بل تحولت إلى مشاريع استثمارية تحقق قيمة مضافة.
ومن أبرزها إنشاء أول مصنع في المنطقة لمعالجة بقايا بطانة خلايا الصهر، إضافة إلى تبني مشاريع للاقتصاد الدائري، وإعادة الاستخدام، وتقليل النفايات الصناعية، بما جعل الشركة من أبرز المؤسسات الصناعية الخليجية في تطبيق معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية.
كما تولى رئاسة مجلس إدارة شركة Alba-Daiki Sustainable Solutions (ADSS)، وهي شراكة متخصصة في تطوير حلول مستدامة للصناعة، بما يعكس انتقال “ألبا” من مجرد منتج للألمنيوم إلى مؤسسة تسعى إلى قيادة الابتكار البيئي في القطاع.
قائد لا يتوقف عن التعلم
من السمات اللافتة في تجربة البقالي أنه لم يتعامل مع المنصب باعتباره نهاية الرحلة، فإلى جانب خبرته العملية، واصل تطويره الأكاديمي، وحصل على درجة الماجستير التنفيذي في إدارة الأعمال، كما يعمل على إعداد رسالة دكتوراه تبحث في العوامل التجارية والبشرية في الثورة الصناعية الرابعة، وهي قضية تعكس إدراكه المبكر للتحولات التي تشهدها الصناعة العالمية.
وهذا يكشف جانباً مهماً من شخصيته القيادية؛ فهو لا يدير شركة تعمل في الحاضر فقط، بل يحاول فهم شكل الصناعة بعد عشر سنوات.

هشام الريس.. الرجل الذي أعاد تعريف “جي إف إتش”
“في عالم المال، لا يصنع النجاح حجم الأصول وحده، بل القدرة على تغيير نموذج الأعمال.”
حين يذكر اسم هشام الريس، يتبادر إلى الذهن أحد أكثر التنفيذيين حضوراً في القطاع المالي الخليجي، لكن القيمة الحقيقية لتجربته لا تكمن في الجوائز التي حصل عليها، ولا في ظهوره المتكرر ضمن قوائم الرؤساء التنفيذيين الأكثر تأثيراً، وإنما في التحول الذي قاده داخل مجموعة جي إف إتش المالية، فالتحولات الكبرى في المؤسسات لا تحدث بقرارات مفاجئة، بل تبدأ بتغيير طريقة التفكير، وهذا ما فعله الريس.
من بنك استثماري إلى مجموعة مالية متكاملة
شهدت “جي إف إتش” خلال العقد الأخير تحولاً نوعياً في نموذج أعمالها، فبعد أن كانت معروفة أساساً كمؤسسة للاستثمار، توسعت تدريجياً لتصبح مجموعة مالية متعددة الأنشطة، تجمع بين إدارة الأصول، والخدمات المصرفية التجارية، والاستثمارية، والعقارية، مع انتشار متزايد في الأسواق الإقليمية والدولية.
هذا التحول لم يكن مجرد توسع في المنتجات، بل إعادة صياغة لهوية المؤسسة، وهو ما احتاج إلى قيادة تمتلك رؤية استراتيجية، وقدرة على قراءة اتجاهات الأسواق، وإدارة المخاطر، واستثمار الفرص في توقيتاتها المناسبة.
خبرة تتجاوز ربع قرن
يمتلك الريس خبرة مصرفية واستثمارية تزيد على ستة وعشرين عاماً، شارك خلالها في رسم وتنفيذ الاستراتيجية الاستثمارية للمجموعة داخل المنطقة وخارجها، ويمثل هذا الامتداد الزمني عنصراً مهماً في فهم أسلوبه الإداري، فهو ينتمي إلى جيل من القيادات التي عايشت أزمات مالية عالمية، وتقلبات اقتصادية، وتحولات تنظيمية، ما أكسبه قدرة على إدارة المؤسسات في بيئات متغيرة، دون التخلي عن الأهداف طويلة المدى.
الاستثمار في الثقة
في القطاع المالي، يعد رأس المال مهماً، لكن الثقة أهم، ولهذا ركز الريس على بناء مؤسسة قادرة على الحفاظ على ثقة المستثمرين، من خلال تنويع مصادر الإيرادات، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع الانتشار الجغرافي، وتقليل الاعتماد على نشاط واحد، وهذا ما جعل “جي إف إتش” أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الاقتصادية مقارنة بالنماذج التقليدية التي تعتمد على مصدر دخل واحد.
جوائز تعكس مسيرة لا لحظة
خلال السنوات الماضية، أصبح اسم هشام الريس حاضراً بصورة متكررة في أهم التصنيفات الإقليمية؛ فحصل على وسام رواد العمل الوطني من الدرجة الأولى، واختير ضمن 100 من القادة الأكثر إلهاماً في الشرق الأوسط، كما ظهر مراراً في قوائم فوربس الشرق الأوسط وArabian Business وCEO Middle East التي ترصد القيادات الأكثر تأثيراً في القطاع المالي.
وتكمن أهمية هذه الجوائز في أنها جاءت عبر سنوات متتالية، بما يعكس استمرارية الأداء، وليس نجاحاً ظرفياً.
قيادة تتجاوز الأرقام
وربما يكون أهم ما يميز تجربة هشام الريس أنها تقدم نموذجاً مختلفاً للرئيس التنفيذي، فهو لا يركز على تحقيق نتائج مالية فقط، بل على بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار لعقود، ولهذا، ارتبط اسمه بالتحول المؤسسي، والتوسع المدروس، وبناء الشراكات، والبحث عن الفرص الاستثمارية ذات القيمة طويلة الأجل.
وفي عالم تتغير فيه الأسواق بسرعة غير مسبوقة، تبدو هذه الفلسفة أحد أهم أسباب استمرار “جي إف إتش” ضمن أبرز المؤسسات المالية الخليجية.
عادل العلي.. الرجل الذي غير قواعد اللعبة في الطيران العربي

“ليست كل الأفكار الكبيرة بحاجة إلى أساطيل ضخمة… أحياناً يكفي نموذج أعمال مختلف ليعيد تشكيل صناعة بأكملها.”
حين أطلقت “العربية للطيران” أولى رحلاتها في أكتوبر 2003، لم يكن كثيرون يعتقدون أن شركة طيران اقتصادي قادرة على منافسة الناقلات التقليدية التي هيمنت لعقود على سماء المنطقة.
في ذلك الوقت، كانت صناعة الطيران العربية تقوم على نموذج مختلف تماماً؛ خدمات أكثر، تكاليف أعلى، أسعار مرتفعة، ومسافرون محدودون. لكن عادل العلي رأى السوق بطريقة مختلفة.
لم يكن السؤال بالنسبة إليه؛ كيف ننشئ شركة طيران جديدة؟، بل كيف نجعل السفر الجوي متاحاً لشرائح لم تكن تسافر أصلاً؟، وهكذا بدأت واحدة من أكثر قصص التحول الاقتصادي نجاحاً في الشرق الأوسط.
صناعة سوق جديدة
كثير من الشركات تنجح لأنها تدخل سوقاً موجودة، أما العربية للطيران، فقد نجحت لأنها صنعت سوقاً جديدة بالكامل.
فكرة الطيران الاقتصادي لم تكن معروفة في المنطقة بالشكل الذي أصبحت عليه اليوم، وكان نجاح التجربة يعني تغيير ثقافة السفر، وسلوك المستهلك، وحتى طريقة تفكير المطارات، ولهذا فإن القيمة الحقيقية لتجربة عادل العلي لا تكمن في نمو الشركة فقط، وإنما في إعادة تشكيل قطاع كامل، فاليوم أصبح الطيران الاقتصادي جزءاً أساسياً من حركة النقل الجوي في المنطقة، بعد أن كان مجرد فكرة محفوفة بالمخاطر.
قيادة توسعت مع السوق
ما يلفت النظر في تجربة العلي أنه لم يكتف بتحقيق نجاح محلي، فكلما توسعت حركة السفر في المنطقة، كانت الشركة تتوسع معها، وكلما ظهرت فرص جديدة، تحولت إلى قواعد تشغيلية وشراكات واستثمارات.
وبمرور الوقت، أصبحت “العربية للطيران” أكبر ناقل اقتصادي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع شبكة وجهات واسعة، ونموذج تشغيلي يعتمد على الكفاءة العالية والانضباط المالي.
لكن النجاح لم يكن في عدد الطائرات، ولا في عدد الوجهات، بل في القدرة على المحافظة على نموذج الأعمال نفسه رغم تغير الأسواق، وارتفاع أسعار الوقود، والأزمات التي عصفت بقطاع الطيران عالمياً، وهذا ما يميز القيادات التنفيذية طويلة النفس.
أكثر من شركة طيران
ومع مرور السنوات، لم تعد المجموعة تعتمد على نقل المسافرين فقط، بل توسعت إلى خدمات السفر والسياحة والضيافة، وأصبحت تمتلك منظومة أعمال متكاملة تدعم نشاطها الأساسي، وتوفر مصادر دخل متنوعة تقلل من تأثرها بتقلبات القطاع. هذه الرؤية تعكس فهماً متقدماً للإدارة الحديثة، فالشركات الكبرى لا تبني نجاحها على منتج واحد، وإنما على منظومة اقتصادية متكاملة.
قائد تحظى تجربته بالاعتراف العالمي
لم يكن مستغرباً أن يحصل عادل العلي على سلسلة من الجوائز الدولية، من بينها جائزة قاعة الشهرة في قطاع الطيران، وجائزة أفضل رئيس تنفيذي في الشرق الأوسط وأفريقيا، إلى جانب تكريمات من مؤسسات عالمية متخصصة في صناعة الطيران.
لكن أهم تكريم ربما لا يظهر في قوائم الجوائز، إنه أن يصبح النموذج الذي ابتكره مرجعاً تتبعه شركات أخرى، فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الجوائز. بل بعدد من يحاول تقليدك.
أحمد يوسف.. القائد الذي أعاد تعريف التطوير العقاري

في عالم الأعمال، ليست كل القيادات صاخبة، بعضها يفضل أن تتحدث المشاريع بدلاً من التصريحات؛ وهذا الوصف ينطبق إلى حد بعيد على أحمد يوسف.
فمنذ توليه قيادة شركة عقارات السيف عام 2015، لم يكن الهدف مجرد تطوير مجمعات تجارية جديدة، بل إعادة صياغة مفهوم الشركة نفسها من مالك للعقار إلى مطور للتجارب.
عندما يتغير مفهوم العقار
شهد القطاع العقاري الخليجي خلال العقد الأخير تغيراً جذرياً، فلم تعد المجمعات التجارية مجرد أماكن للبيع، بل أصبحت المنافسة تعتمد على التجربة، والترفيه، والضيافة، والأنشطة العائلية، وكان على الشركات أن تعيد التفكير في منتجاتها.
وهنا برزت رؤية أحمد يوسف؛ فقد ركز على الابتكار، والتنوع، والاستدامة، والتوسع المدروس، بما جعل “عقارات السيف” أكثر قدرة على مواكبة التحولات في سلوك المستهلك.
خبرة صنعت الفارق
يمتلك أحمد يوسف أكثر من ثلاثين عاماً من الخبرة في التطوير العقاري وإدارة المشاريع، لكن ما يميز تجربته ليس طولها بل تنوعها، فهو ينتمي إلى جيل من التنفيذيين الذين عاصروا تطور القطاع العقاري الخليجي منذ بداياته، وشهدوا انتقاله من المشاريع التقليدية إلى المدن المتكاملة، والمجمعات متعددة الاستخدامات، والمشاريع القائمة على التجربة، ولهذا، جاءت قراراته أكثر ارتباطاً بالتغيرات طويلة المدى، وليس بالمكاسب السريعة.
الاستثمار في القيمة
خلال فترة قيادته، توسعت الشركة في مشاريعها وشراكاتها، مع التركيز على خلق قيمة مستدامة للمساهمين، وليس مجرد زيادة المساحات المؤجرة، وهذه نقطة كثيراً ما يغفلها المتابعون؛ ففي قطاع العقارات، ليس كل توسع نجاحاً، وليس كل مشروع يضيف قيمة، والقيادة الناجحة هي التي تعرف متى تتوسع ومتى تنتظر.

سطام القصيبي… قيادة مصرفية في زمن التحول
شهد القطاع المصرفي خلال السنوات الأخيرة واحدة من أسرع موجات التغيير في تاريخه؛ فالتحول الرقمي، والتقنيات المالية، وارتفاع توقعات العملاء، كلها فرضت على البنوك إعادة النظر في نماذج أعمالها.
وفي خضم هذه التحولات، قاد سطام سليمان القصيبي “خليجي بنك” خلال مرحلة اتسمت بالنمو المالي، وتعزيز الخدمات المصرفية الإسلامية، وتسريع برامج التحول الرقمي حتى مارس 2026.
أكثر من عشرين عاماً في العمل المصرفي
لا تبنى القيادات المصرفية في سنوات قليلة، فالقطاع المالي يعتمد على الخبرة بقدر اعتماده على المعرفة.
ويمتلك القصيبي أكثر من عقدين من العمل التنفيذي، تنقل خلالها بين مؤسسات مالية بارزة، من بينها بنك البحرين للتنمية، وبيت التمويل الكويتي – البحرين، قبل أن يتولى قيادة “خليجي بنك“، وقد انعكست هذه الخبرة على أسلوبه الإداري، الذي جمع بين المحافظة على الهوية المصرفية الإسلامية، والانفتاح على أحدث التقنيات المالية.
التحول الرقمي… أولوية لا خيار
لم يعد التحول الرقمي مشروعاً تقنياً داخل البنوك، بل أصبح مشروعاً استراتيجياً.
وخلال قيادة القصيبي، اتجه البنك إلى تسريع رقمنة الخدمات، وتطوير تجربة العملاء، وتحسين الكفاءة التشغيلية، بما يتماشى مع التطورات التي يشهدها القطاع المالي العالمي.
وإلى جانب مسؤولياته التنفيذية، شارك في عضوية ورئاسة عدد من مجالس الإدارات والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية، وهو ما يعكس حضوره في منظومة الأعمال البحرينية خارج الإطار المصرفي.
خيط واحد يجمع الجميع
قد تبدو قصص هؤلاء القادة مختلفة؛ أحدهم يقود مصنعاً، والآخر يدير مؤسسة مالية، وثالث يقود شركة طيران، ورابع يعمل في العقارات، وخامس في القطاع المصرفي.
لكن عند التعمق في تجاربهم، يظهر خيط واحد يجمعهم جميعا؛ لم يصل أي منهم إلى موقعه عبر النجاح السريع، كل تجربة بنيت على سنوات طويلة من العمل، والتدرج، والتعلم، وإدارة الأزمات، وقراءة المستقبل، ولهذا، فإن إدراجهم في قائمة واحدة لا يمثل تكريماً لخمسة أشخاص فقط، بل يقدم صورة عن جيل من القيادات البحرينية استطاع أن يثبت أن الكفاءة الإدارية أصبحت أحد أهم صادرات البحرين إلى المنطقة.

القيادة البحرينية… من إدارة المؤسسات إلى صناعة التأثير
حين ننتهي من قراءة قصص علي البقالي، وهشام الريس، وعادل العلي، وأحمد يوسف، وسطام سليمان القصيبي، يصبح السؤال الأهم ليس: كيف نجح هؤلاء؟، بل لماذا خرجوا جميعاً من البيئة البحرينية؟
قد يبدو السؤال مبالغاً فيه، لكن في الاقتصاد الحديث، لا تتكرر النجاحات الكبيرة بالصدفة.
فحين يظهر أكثر من قائد تنفيذي من دولة واحدة ضمن قائمة تضم أكثر الشخصيات تأثيراً في المنطقة، فإن الأمر يتجاوز الإنجاز الفردي ليعكس وجود بيئة مؤسسية قادرة على إنتاج القيادات، ولعل هذا هو المعنى الحقيقي وراء حضور خمسة بحرينيين في قائمة CNBC عربية لعام 2026.
فالقصة ليست خمسة أشخاص.. بل تجربة وطن.
البحرين… مدرسة قديمة في صناعة القيادات
منذ سبعينيات القرن الماضي، تميزت البحرين عن كثير من اقتصادات المنطقة بأنها لم تعتمد على النفط وحده، بل اتجهت مبكراً إلى بناء اقتصاد متنوع، يقوم على الخدمات المالية، والصناعة، والتعليم، والتجارة، وقد كان هذا التنوع بحاجة إلى كوادر إدارية تمتلك القدرة على العمل وفق معايير الشركات العالمية.
ولهذا، تشكلت في البحرين بيئة مختلفة؛ بيئة تعتمد على التدريب، والتدرج الوظيفي، والاحتكاك المباشر بالمؤسسات الدولية، ولهذا السبب، خرجت أجيال متتالية من التنفيذيين الذين اكتسبوا خبراتهم داخل شركات تعمل وفق أعلى المعايير المهنية.
ولعل ما يميز التجربة البحرينية أن كثيراً من قياداتها لم يعتمدوا على المناصب، وإنما على تراكم الخبرة، وهو ما يظهر بوضوح في الشخصيات الخمس.



